ابن أبي مخرمة
348
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
ونحن نخشى أنه وارث * ملكك إن غيبك اللحد ولن يباهي العبد أربابه * إلا إذا ما بطر العبد فوقف الرشيد عليها وأضمر السوء . وقيل : لم يكن من البرامكة جناية توجب غضب الرشيد ، ولكن طالت أيامهم ، وكل طويل مملول ، ولقد استطال الناس أيام الذين هم خير الناس ؛ أيام عمر ، وما رأوا مثلها عدلا وأمانا وسعة أموال وفتوح ، وأيام عثمان ، فقتلوهما ، ورأى الرشيد مع ذلك أنس النعمة بهم ، وحمد الناس لهم ، وآمالهم فيهم ، ونظرهم إليهم ، والملوك تنافس في أقل من ذلك ، ووقع منهم بعض الإدلال خصوصا جعفر والفضل دون يحيى ؛ فإنه أحكم خبرة ، وأكثر ممارسة للأمور ، ولاذ بالرشيد قوم من أعدائهم كالفضل بن الربيع وغيره ، فستروا منهم المحاسن ، وأظهروا القبائح حتى كان ما كان . ويحكى أن علية بنت المهدي قالت للرشيد بعد وقعته بالبرامكة : يا سيدي ؛ ما رأيت لك يوم سرور منذ قتلت جعفرا ، فلأي شيء قتلته ؟ فقال : لو علمت أن قميصي يعلم السبب في ذلك . . لمزقته . وكان الرشيد بعد ذلك إذا ذكروا عنده بسوء . . أنشد معلنا : [ من الطويل ] أقلوا ملاما لا أبا لأبيكم * عن القوم أو سدوا المكان الذي سدوا ومن أعجب ما يؤرخ من تقلبات الدنيا بأهلها : ما حكى بعضهم قال : دخلت إلى والدتي يوم عيد الأضحى ضحى وعندها امرأة في ثياب رثة ، فقالت لي والدتي : هذه عبادة أم جعفر البرمكي ، فأقبلت عليها ، وتحادثنا زمانا ، ثم قلت : يا أمه ؛ ما أعجب ما رأيت ؟ قالت : لقد أتى علي يا بني عيد مثل هذا وعلى رأسي أربع مائة وصيفة ، وإني لأعدّ ابني عاقا لي ، ولقد أتى علي يا بني هذا العيد وما ثيابي إلا جلد شاتين أفترش أحدهما وألتحف بالآخر ، قال : فدفعت لها خمس مائة درهم ، فكادت تموت فرحا بها ، فسبحان اللّه مقلب الدهور ، ومدبر الأمور « 1 » ! وفي هذه السنة : توفي السيد الجليل الفضيل بن عياض ، ويعقوب بن داود
--> ( 1 ) « تاريخ الطبري » ( 8 / 287 ) ، و « المنتظم » ( 5 / 495 ) ، و « الكامل في التاريخ » ( 5 / 348 ) ، و « تاريخ الإسلام » ( 12 / 23 ) ، و « العبر » ( 1 / 298 ) ، و « مرآة الجنان » ( 1 / 404 ) ، و « البداية والنهاية » ( 10 / 619 ) ، و « النجوم الزاهرة » ( 2 / 121 ) ، و « شذرات الذهب » ( 2 / 391 ) .